الأربعاء، 18 يناير 2012

في التمييز والعنصرية






كنت أترجم لعيادة رعاية طبية موقعها الدعائي إلى اللغة العربية فشدت انتباهي هذه الجملة التي جاءت تحت بند "حقوق المريض":
 "Every patient deserves to be treated with respect, dignity, and concern. Exercise these rights without regard to sex, disability, age, diagnosis, economic status, educational background, race, color, ethnicity, religion, ancestry, national origin, sexual orientation, marital status, or the source of payment for care."
"يستحق كل مريض أن يُعامل باحترام وكرامة واهتمام. وله الجق في ممارسة هذه الحقوق بغض النظر عن النوع أو الإعاقة أو العمر أو التشخيص أو الحالة الاقتصادية أو الخلفية التعليمية أو الجنس أو اللون أو العرق أو الدين أو النسب أو الأصل القومي أو التوجه الجنسي أو الوضع العائلي أو مصدر الدفع للحصول على الرعاية".
وسألت لماذا لا يعامل الناس والحكومات بعضهم/مواطنيها أو غيرهم من هذا المنطلق وبحثت في هذا الموضوع وأضفتها إلى ملاحظاتي ووجدت أن أي مجهود يُبذل في هذا السياق غير ذي جدوى لأن هذه هي التركيبة البشرية التي جُبل عليها الإنسان. ووصلت إلى حد أدنى من العدالة والعقلانية بحيث على الإنسان ألا يتفاخر مطلقًا وألا يتمايز ويتفاخر بالأشياء التي لم يكن له دور "على الإطلاق" فيها بمعني اللون، الشكل، العرق، الميلاد، اللهجة، وغيرها ويمكن الارتقاء بالبشرية وبجودة الكائن البشري حين نعلمه عدم التمييز في الأشياء التي لم يكن له دور "كبير" فيها.
فالأديان تمييزية بامتياز وتحمل إشارات عنصرية وتمييزية. نجد عندنا: المؤمن القوي (ماديًا وعضويًا) خير من المؤمن الضعيف (ماديًا وعضويًا)
و"هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ" وهناك كثير من الأخبار في تاريخ الإسلام وباقي الأديان السماوية تدعو إلى ذلك والأمر لا يتوقف عند التمييز على أساس اللون أو الإعاقة الجسدية (التي لا ذنب للمصاب فيها في أغلب الأحيان) بل يتطرق الأمر في اليهودية (التوراة/التلمود بغض النظر عن مدى صحة الكتابين) إلى اعتبار أن كافة الشعوب الأخرى من غير اليهود "غوييم" على شعب إسرائيل أن  يقضوا عليهم وأن "اقتلوهم وجرِّدوهم من ممتلكاتهم، لا تأخذكم بهم رأفة؛ فليكن القتل متواصلاً: شخصاً يتبعه شخص، لا تتركوا طفلاً، لا تتركوا زرعاً أو شجراً، اقتلوا بهائمهم من الجمل حتى الحمار» ويحضرني قول المسيح جيدًا هنا "ما جئت ألقي سلامًا بل سيفًا" فلماذا نعيب على الفاشية والداروينية وسيادة الأبيض إن كنا وأدياننا نفكر بنفس الطريقة إن أدياننا وأدبيات اليمين التراثية والحالية مليئة بهذا التمييز.
هذا لمن يتكلمون عن عدم التمييز بين البيض والسود، أنت بداخلك تمييزي يا سيدي/سيدتي أنت في داخلك عنصري، الله يعرف ذلك، تمامًا كما تعرف الحكومات المسيطرة. كل الحكومات التي استولت على الحكم عبر التاريخ تمييزية وعنصرية بامتياز* وإن ما سردته من أمثلة بسيطة ليس قدحًا في أديان إنما واقع حياتي يومي معاش في كل نفس بيضاء غنية صحيحة منذ بدء الخليقة فلا تحلموا بعالم سعيد فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد، حتمًا يشنق العقل والعدل والمساواة يرغم أرسطو على تجرع السم ويشنق سبارتاكوس وتعاني أفريقيا السوداء من الفقر والجوع بينما الحكومات البيضاء تسرق الأرض من تحتهم وتجهز على أي هبة نهضوية لأجل فقراء هذا العالم. باسم الحريات الأربع نسرق ونجوع وباسم الأديان أيضًا إنها إرادة الرب أيها السادة فليقتلونا أينما ثقفونا!
وبعد كتابة الجزء الأكبر من هذه التدوينة قرأت في الأهرام "يهود الفلاشا (السود) يتظاهرون أمام الكنيست احتجاجًا على التمييز والعنصرية ضدهم". فليهنأ كل يهودي أبيض غربي "أشكنازي" ويتعس كل سفارديم (يهودي شرقي ) أو فلاشا (أفريقي/أسود) ... ليهنأ كل لص عسكري من سكان المرتفعات وليخسا كل نوبي ولتغرق أبو سمبل النوبية وليغرق كل العالم ... ليموت كل العالم لتدفع المنقبة غرامة في فرنسا ولتهنأ السائحات بالتعري في شرق البلاد، ليهنأ الإسلاميون بلحاهم الطويلة وشركاتهم العريضة وقنواتهم التي تبتز الفقراء باسم الله وليجلسوا على مقاعد البرلمان وتذهب العدالة الاجتماعية إلى الجحيم هي وكل العشوائيات. فليهنأ آل سعود سلالة قاطعي الطريق وليموت سكان الصفيحة في شرق المملكة لأنهم شيعة ولأنهم فقراء، ليهنأ الملالي في إيران بالمال والسلطان وليخسأ الأكراد والسنة لأنهم بلا مال ولا جاه ولأنهم سنّة. فليهنأ أحباب الغرب في المنطقة أحبابهم الجدد من الإسلاميين وأحبابهم القدامى من العسكريين، فلتهنأ أجهزة المخابرات العالمية لأجل أن يقتل الإسرائيلي فلسطينيًا يغتصب أرضه وماله ويقتل أبنائه الشبان ويسجن آخرين... فليهنأ زعماء القبائل الجدد في لبنان وليقسموا بلادهم قطعًا من الكيك وليشرب اللبنانيون من أرصفة الغربة ومن رحم المعاناة، ليهنأ الأتراك ويسقط الكرد لليموت كل الكرد في سوريا وتركيا وإيران والعراق ليقتلهم الجميع ليهنأ العالم ويرتاح ضمير الله. الكلام كثير والأمر موجع وربان السفينة الكبيرة يبدو أنه مسرور لهذا الأمر.  
مرة أخرى ليتعجرف الطويل على القصير، والأبيض على الأسود، والمتعلم على الجاهل، والغني على الفقير، وصحيح البدن على المعاق، والعسكري على المدني، والغربي على الشرقي، والعربي على الكردي، والسني على الشيعي أو الشيعي على السني، والمسلم على المسيحي أو المسيحي على المسلم أو اليهودي على كليهما أو أي منهما على اليهودي، وليهنأ العالم بالسفينة ويعيش الجميع بالطبل والتهليل فالعام عام الفيل!

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

في العبث


الحكاية كلها قد* تكون عبارة عن tunes واحدة up وواحدة down، هي الصفر والواحد بتوع الكمبيوتر وهي التوم والتاك بتاعت المزيكا، الخط المستقيم والدايرة، الجهاز التناسلي للذكر والأنثى ... التناقض السمة الأبرز في الكون والمخلوقات .. (مثال أبيح وقد يكون قبيح لكن خللى المتكلم مجنون والمستمع ...) تخيل واحدة جسمها الأعلى كله بارز مثلاً مش هتبقى ليها جمال، لكن لو فيها حفرتين في الجزء البارز ده هنسميهم حفرتين! واللي هيبقو المتعة ... وعلى حسب بقا اللى يحب الحفرتين مدورتين واللى يحبهم أكثر عمقًا واللى يحبهم ممسوحين .... المهم التناقض!... حتى في ضربات الفرشاة على اللوحة، فما بين الألوان وبعضها البعض والخطوط من اختلاف وتباين هو ما يصنع جمال اللوحة ومن خلال المفارقة والاختلاف تنشأ المتعة وتتحرك الآلات (التروس ترس داخل لجوا والتاني بارز) ويدور الكون ~~

وعشان ما نخرجش برا الموضوع، مثلا يعني متعة إبليس (الشر المطلق**) ولا الملايكة (الخير والطاعة المطلقة**) معدومة، فالمسألة لا تعدو عندهم مسألة الواجب. والتكرار يخلق الملل ولأنهم يعرفون جزءًا كبيرًا من الحقيقة يستمرون في مداومتهم على الطاعة/المعصية. أما الإنسان فواقع "بين بين" لا هو كدا ولا هو كدا عشان كدا بتلاقي ميل للحياة وإقبال عليها رغم الانسحاقات اليومية البعثية التي تطل برأسها كنقفذ مخيف ثم تليها غبطة تنسينا الانسحاق وهكذا دواليك .. الحياة في شكلها العبثي جديرة بحيوان مطيع** أقرب للملاك أو بعاصي** أما اللى عايزين يدوروا ورا الحقيقة بيتعبوا وبيعيشوا مذبذبين لا هم مع هؤلاء ولا هؤلاء وأنا وانتَ يا جدع سمعني الفاتحة!

* يستحسن إن أي حد يكتب أي حاجة في أي حاجة يستخدم قد أنا استخدمتها في الأول وممكن أكون نسيتها لكن فضل "قد" عظيم لو كنتم تعلمون

** على حسب بقا إن كنت أنت مؤمن بالكلام ده أو لا

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

في الاختيار والجبر


على ذكر أول أبيات أمل دنقل في قصيدته "كلمات سبرتاكوس الأخيرة"

المجد للشيطان معبود الرياح

من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"

من علم الإنسان تمزيق العدم

من قال "لا" فلم يمت وعاش روحًا أبدية الألم

فكرت في الأمر ومسألة الاختيار والجبر وهي مسألة من أكثر المسائل التي نالت دراسات وأبحاث ونظريات فلسفية.

وفي الفسلفة الإسلامية والأوساط الشعبية ولا يزال السؤال مكرورًا ومعادًا حتى يومنا هذا "هل الإنسان مسير أو مخيّر؟"

وفي خضم ذلك قارنت بين الإنسان والشيطان وكما نعرف أن الرباعي العاقل في الكون "الله، الإنسان، الشيطان، الملائكة" وبمقارنة الإنسان بالشيطان خطرت لي خاطرة وهي أن أصل الإنسان ليس قردًا أو نشوء وارتقاء من فقرة إلى فقرات على مر الزمن أو شئ من هذا القبيل بقدر ما هو "طرطور" فهو ضحية عناد إبليس مع الله، هذا التحدي الذي ألقى بالإنسان على الأرض دون أن يُستشار في ذلك. وفي الأساطير كذلك كما في الأديان عندما حاول برومثيوس تعليم البشر بفتح صندوق باندورا نال البشر وبرموثيوس عذابًا أبديًا بأن ينهش النسر قلبة كل صباح لينبت قلب آخر ويعاود النسر نهشه ... الاختيار لم يكن لأي مخلوق إلا إبليس هو من اختار واختار "الرفض" و"العناد" و"التحدي" لذا فقد اختار إبليس طريقًا آخر وإن كان عذاب سرمدي. في حين يحاول الحلاج تفسير ذلك على طريقته يقول في طاسين الأزل والالتباس:

وما كَانَ فى أھلِ السَّماءِ مُوَحِدٌ مثل إبليس ، حَيْثُ إبليس

[تَغَيَّرَ] عَلَيْهِ العين ، وھَجَرَ الأَلحاظَ فى السَّيْرِ ، وَعبدَ المعبودَ

على التَّجرِيدِ ،

ولُعِنَ حَيْنَ وَصَلَ إلى التَّفْرِيدِ ، وطُلِبَ حَيْنَ طَلَبَ بالمزِيد ، فقال

له "اُسْجُدْ – "!قال " لاغير! "

قال لَهُ "وإِن عليك لعنتى ؟

" – قال " لا غير! "مالي إلى غيرك سبيل،

وإنى مُحِبٌّ ذَليل " . . قال له "استكْبَرْتَ"

قال " لو كان لى مَعْكَ لَحْظَةٌ ، لَكَانَ يليق بِى التَكَّبر والتَّجَبُّر ،

وأنا الذَّى عَرَفْتُكَ فى الأَزَلِ " أنا خير مِنْهُ"

لأَنَّ لي قدمةً فى الخدمة ،

وليس فى الكونيْن أَعْرَفُ مِنْى بك وَلِي فيك إرادةٌ ولك فِى إرادةٌ،

إِرادتُكَ فىَّ سابقة، إِن سجدتُ لغيرِك، فإن لم أسجُد ، فلا بُدَّ لي من

الرجوع إلى الأَصْلِ ، لأنَّك خَلَقْتَنِى مِن النار، والنار ترجع إلى النار ،

ولَكَ التقدير والاختيار"



أي أن إبليس التزم بأمر "اسجد" لكنه حين أجاب بـ "لا غير" أي "لن أسجد لغيرك" فقد اختار ذلك، ويفسر الحلاج ذلك بأن ذلك غيرة من إبليس حيث يقول إبليس في كلامه مع موسى – عليه السلام –

"



التقى موسى عليه السلام وإبليس على عقبة الطور ، فقال له : يا إبليس ما منعك من السجود ؟



فقال منعني الدعوى بمعبود واحد ، ولو سجدت له لكنت مثلك ، فإنك نوديت مرةٍ واحدةٍ :



" انظر إلى الجبل " فنظرت ، ونوديت أنا ألف مرة : أن أسجد ، فما سجدت لدعواي بمعناي



فقال له : تركت الأمر ؟ قال : كان ذلك ابتلاءً لا أمراً ، فقال له : لا جرم قد غيّر صورتك



قال له يا ( موسى ) ذا وذا تلبيسٌ ، والحال لا معول عليه ، فإنه يحول ، لكن المعرفة صحيحة



كما كانت ، وما تغيّرت ، إن الشخص قد تغير .



فقال موسى : الآن تذكره ، فقال يا ( موسى ) الفكرة لا تذكر ، أنا مذكور ، وهو مذكور



ذكره ذكري وذكري ذكره هل يكون الذاكران إلا معا



خدمتي الآن أصفا ، ووقتي أخلا ، وذكري أجلا ، لأني كنت أخدم في القدم لحظي والآن أخدمه لحظه



ورفعنا الطمع عن المنع ، والدفع ، والضر ، والنفع ، أفردني أوجدني ، حيرني طردني



لئلا أختلط مع المخلصين ، مانعني عن الأغيار غيرتي ، غيرني لحيرتي ، حيرني لغربتي



حرمني لصحبتي ، قبحني لمدحتي، أحرمني لهجرتي، هجرني لمكاشفتي، كشفني لوصلتي



وصلني لقطعتي، قطعني لمنع منتي .



وحقه ما أخطأت في التدبير، ولا رددت التقدير، ولا باليت بتغيير التصوير، لي على هذه المقادير تقدير



إن عذبني بناره أبد الأبد، ما سجدت لأحد، ولا أذل لشخص وجسد، ولا أعرف ضداً ولا ولداً



دعواي دعوى الصادقين، وأنا في الحب من الصادقين . (يتبع وينقح).

السبت، 22 أكتوبر 2011

طيور الظلام



بدون مزايدة أو شيفونية رأي دا رأيي بخصوص ترشيح الفلول. أنا لا أؤيد مسألة عزل أعضاء الوطني بالمرة، ولدي أسبابي. عارفين ليه الإخوان بيتفقوا بالذات و"بقوة" مع قوى الثورة والشباب والأحزاب في مطلب عزل ما يسمى بالفلول لأنهم يعرفون أن هؤلاء منافسيهم الحقيقيين مَنْ يفهمون كيف يُلعب على أوتار الناخبين البسطاء ومتوسطي التعليم بطرق ملتوية كطرقهم (ألم تر إلى الشنط كيف وزعت والعجول ذبحّت) ... فلنعالج الداء بالداء ... قوي اليسار والليبرالية متكفرة جاهز ومقدمة ف طبق من فضة بالتكفير والتفسيق وإشاعة أن الحرية والليبرالية والعلمانية معناها الشذوذ والإنحراف والكفر (البركة في الناس والرحمة والحكمة ولسه هيشترولكوا باقي القنوات كمان لما لقيو مصر 25 فاشلة) أو أنهم مش فاهمين حاجة دا غير إن بعض القوى دي لسه هشّة بمن فيهم قوى الثورة، لكن الفلول يجيدون التعامل مع قوى اليمين فلو احتضناهم هيشيلو الفضل ده وهتلاقيهم يشكرو ف الثورة ويبقو ثوريين أكثر من الثوار ف الآخر دا ديل شيل وأنا أشيل دا المبدأ اللى يفهمه الفلول هما لا يهمهم وطني ولا بطيخ يهمه منصب وخلاص وجاهة اجتماعية وخلاص ومعارف ييتعرف عليهم في المجلس وبرا المجلس ومصالح بتنقضى وخلاص .. يعني م الآخر بدون أيدلوجية معينة ... اللعبة دي لعبها الجيش مع الجماعة الإسلامية ولساها بتبوس البيادة من شهور وإلى الآن... فلو  حدث تصالح مع مجموعة من رموز الوطني ممن لهم دور في نواحيهم لوجدناهم أكثر ثورية مِنّا ولوقفوا في صف الثورة ولانقلبت الموازين ... ف الآخر هما فاهمين يعني إيه دولة مدنية عايزنها .؟. هما لسه واقفين على أرض صلبة ... يعني مش أحسن من أولاد الكلب اللى راحوا اشتروا قناة التحرير عشان يغيروا النهج بتاعها .. ويقلبوها ظلامية -- طيب بالمكشوف كدا صاحب قناة الناس وأحمد أبو هيبة (كان بيقدم برنامج ديني في القناة تقريبًا) اشتروا قناة التحرير ودا اللى خلى بلال فضل يمشي كدا إحنا داخلين في لعبة خطيرة... انتبهوا أموال الفلوطية والريانية أي الوهابية تزحف بقوة للسيطرة على كل شئ ... مش كدا ولا إيه؟! .... اللهم بلّغت ... آه نسيت شوفوا شبكة عرص سوري رصد (الإخوانية) مركزة إزاي على الفلول وتصريحات الفلوطة الأخيرة وانتوا تفهموا ليه الموضوع حارقهم قوي

الخميس، 13 أكتوبر 2011

الشَّــــــــــــــــــــج


الأنثى

حرصت على الحفاظ على نجاحي؛ ها هي الشركة تستحوذ على صفقات تصدير واستيراد في شمال أفريقيا، وقبرص، واليونان.

يهاتفنى أحد المسؤولين في أحد السفارات بشأن صفقة ما وعندما ينتهي، أفاجأ بشهد تحدثني عن السيارة التي أحضرتها، وعن مدرسي عُمر الخصوصيين. أصبحت كل مشكلة شهد (إشمعنى؟) ولم تدرك أنه السؤال الذي أخرج آدم من الآمال، عندما أوعز إليه إبليس "وإشمعنى الملائكة يخلدوا في الجنة". جنة الخلد

ودخلت في صفحة جديدة من العلاقات الأسرية؛ صفحة الغيرة الأنثوية ولم تكن آمال متنزهةً عن الأعيب النساء لكنى أدركت

تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة فهي تعتبر شهد انها" انفريور" بالنسبة لها أي أدنى منها ذلك التعبير الذى يكثر استعماله في

الأوساط التي نعيش فيها فآمال تعاف حتى بدلتي أو قميصي الذي لمسته شهد. بل إن الأمر تطور لديها ليشملني أنا !

فكانت آمال تتكلم أول ما تتكلم عن الحمام الذي أعدته بنفسها كي أتخلص مما عَلِقَ بجسمي من رائحة شهد ! واستدرجتني الأيام إلى تفاهات النساء ومكرهن. كنت أتعجب كثيراً حين أقرأ أن الملك "هنري الثامن" حول المذهب في انجلترا من المذهب الكاثوليكي إلى المذهب البروتستانتي من أجل أن يتزوج بامرأة ويطلق أخرى وأن ملوكا سادوا ملايين الأنفس واهتزت لهم أركان الأرض و أنبياءَ وقادةَ جيوش وأمراءَ وعظماء قد أثرت فيهم امرأة أو غانية وحولت مسار حيواتهم أو كدرتها أو لونت طرقهم ومهدته...هذا المخلوق الذي يتلوى لحمه ويتكوم ليشكل ثدياً ويحتل فرجه منتصف جسده ليتسبب في شرخ عميق في طموح الرجل فتتشكل حياتهم حيث يهوى وحيث يميل.إن الإنسان الذي كان يفكر أن تكون له القربى من الصانع يقتبس من نوره ويعيش في ظلاله رغداً ومنعما، اكتفى بأن يلقى في هوة الأرض السحيقة ليعيش على الأديم ويفكر أغلب وقته فيما يفكر فيه هوام الأرض ودوابها. اكتفى بهذا ولم يعلم أنه كان بإمكانه أن يطأ النجوم وأن يعيش كالنور في كون الله الرحب. كل ذلك بسبب هذا المخلوق .

لكم كانت نظرتي غريبة وطموحي كبشر من صلب آدم بلا حدود؛ فاستدركته حقارة النساء إلى هاوية السديم الأرضي. لكنى كنت أستفيق بين الفينة والأخرى فاشترك في تبرعات الجمعيات والنوادي الخيرية فبدلا من الغرق في الشرنقة الأسرية، وما تبعث على النفس من رائحة العرق المتفصد، واللزوجة، والتفاهات المقيتة والتفاخر المتسلط، والمهاترات، وغلبة العتمة على النور، وتفخيم أتفه الأمور؛ أستطيع الفكاك -- ولو لسويعات قليلة-- إلى رحابة نور الخير، وطُهر البر، وخضرة الإحسان لكن رغما عنى أجد الجزء العفن منى يشدني إلى الشرنقة السحيقة لأسترجع نفس العبث وكأني في كل حين أنعى إلى نفسي بأن يكون لي جهاز تناسلي!



***

أنا

علَّمتني أيام المستشفي كثيراً، ورأيت نفسي بعدسةٍ مكبِّرة. هربتُ من رومانسيتي المزيفة وادعائي صفاء النبوة ووفاء الصِدِّيقين. ونزلتُ لألاقي نفسي في نُزُل الأنذال ودَرك الجَشع السُفليّ. فلم يكن "أشرف سليمان" وحده الشيطان الآبق الذي غَشَّ وزوَّر ثم اغتني فبطر ثم استكبر لكني كنتُ أحايين كثيرة خَنزباً وإبليساً ووغداً يري نفسه ذكر القبيلة يلف حبال الحب حول طامحات الزواج من ثري مثلي ويتركهن في عذاباتهن. صحيحٌ أني كنتُ أشك في تعلقهن بي، لكني كنت أستعذب رؤيتهن في بسمة التمني وشبق القرب. وكأنني كنت أتسائل أين كان هؤلاء الفتيات أيام الجامعة والتية في ملكوت الفقر المتأرجح صعوداً وهبوطاً؟

رضيتُ لأشرف بمقعد الهزيمة والتبعية في الجنوب، يزرع في أرضٍ أشعره أنها شراكة بيننا في حين أنني في عني عن قروش الشراكة. لكأنه هدف الإذلال وتعويضٌ لما فعله أيام الضياع، تِهتُ بما عندي وانعزلت عن أناس ٍ رجعوا من تجاربهم منكسي الرأس. كانوا يظنوا أني الحضن الواسع الذي يغفر صغار الخطاء ويشملهم بيد العون. لكني في الصحاري القفر تركتهم، وملئت بالحسد أعينهم، واعتقدت أن هذا كان عن غير قصد مني. وكأني لم أتعمد دعوة المحافظ ومسئولين كبار إلي بيتي وإلي نفس المكان – علي المقهى القديم – وكأني كنت أقول هاأنذا، وأين أنتم يا من كنتم تُفاخِرون بسقط المتاع في ليالي البحث عن قشة نجاح؟!

ادعيتُ عدم رغبتي في الزواج بأخرى حين طَلَبَت "آمال" ذلك لأول مرة. لكني كنتُ ألمح إلي ذلك بمكرٍ تعجز أباليس الجنِ عن تدبيره. فما بين فيلمٍ نشاهداه معاً تتشابه قصته مع رغبتي فأتذمر تاركاً الفيلم، إلي كتابٍ أدسه في طريقها، إلي امرأة صديقٍ أتحدث أمامها بشأن الزواج والإنجاب في ألم وأنا أعرف مسبقاً أنها ستنفذ خطتي بكل هدوء وخِفة، إلي مداعبتي لأطفال الجيران في طريقي من باب العمارة إلي السيارة – مع علمي اليقيني أن آمال تنظر إليَّ من الشرفة – بعد خروجي من البيت واجماً على غير العادة! وما بين هذا وذاك يعجز إبليس ذاته عن تنفيذ خطة مُدَبَّقة كهذه.

كنت أفعل ذلك عن شكٍ قارب اليقين عندي، بأن الحياة من حولي تمثيلية كبري. فليس ما أراه من "آمال" إخلاصاً أو حباً صَرفاً. إنما درع أمان تحتمي به من مغبة تطليقها بعد أعوامٍ من عدم الإنجاب. وأختي التي كانت ترسمني فارساً في كراساتها، كانت تنتظر من عربون ذلك. واليوم تُربّي وترسم أولادها علي صورتي – وتقول إليَّ ذلك بين الحين والآخر – لتنتظر عربوناً أكبر! وأمي التي ترفع يديها بالدعاء في حضوري وغيابي، إنما تعرف أنني بر النجاة الوحيد لها من براثن الفقر والعوز، وأنها تفعل ذلك رغبةً في مفاخرة جاراتها، ومحو صورة الفقر التي رأينها أخواتها عليها هي وزوجها الذي تعثرت معه الحياة حيناً من الدهر. وأن "أشرف سليمان" عندما رجع ثانيةً في مسوح الصِدِّيق لأنه كان يعرف انه سيحتاجني، وان دموعه في حضني كانت كدموع أخوة يوسف. أما "شهد" فهي تَدَّعي أنها تبيت الليالي التي اذهب فيها إلي "آمال" ودمع اشتياق تترقرق بين جفنيها، في حين أنها تنفق ميزانية سنوية لحكومة جزيرة إفريقية في شهر. حتى ابنيَّ "عمر" و "عمرو" حتى أبي .....

كل من اتجهت إليهم أوقات الأزمات، كانوا يزغردون لرؤيتي نَكِداً، يظهر ذلك أحياناً علي وجوههم. حتى من يحزنوا حقاً، كانوا يحزنوا لشئ مسهم، لكنهم لم يتكلموا أمامي عنه فتكون طمأنتهم وتهوينهم تهويناً لجراحهم الذاتية.

تلك الأفكار السوداوية وغيرها تراودني بين الحين والآخر، تجعل مني صنماً بلا شعور، وجسداً بلا روح، فلا مبادئ أو ضمير ،ولا خوف من آخرةٍ أو أولى، وريبٌ بعد ريب. لا قيمة للحياة ولا عِبرة في الموت، وسخطٌ علي كل شئ. أمشي في طريقي ، أنظر إلي السماء وغلي خضرة الشجار، المباني الشاهقة، العمال والساقطات في الطرق يعرضون أجسادهم لمن يشتري، والبائعون يصيحون لأجل نقود تُسكت أفواه أولادهم وتضمن ولاء الزوجات. واردد في نفسي، كلنا هذا العامل أو تلك الساقطة وذلك البائع. ولماذا ترتفع السماء في علوٍ، وتهتز الأشجار لدغدغة النسيم الكاذب، وتزقزق العصافير كي يُحض لها العائل مأويً وحمايةً مقابل ان يعتلي ظهر عصفورته الملتفة القوام!

لكني علي إثر مكالمة تأتيني، أو رؤيتي لفتاةٍ تهتز في الطريق، أو حادثة في الطريق ادخل غِمار الحياة تاركاً قصريَّ العاجي المزيف لتتراوح كلماتي بين الصدق والكذب، ومشاعري بين الزيف والحقيقة، وشهوتي بين الارتفاع والانخفاض ورجولتي بين الشهامة والرياء. أدور وأدور ويأخذني نداءُ مسجدٍ يجيء من بعيد، فأسأل نفسي هازئاً إن كان المؤذن علي وضوء، أطرد وسواسي واركن السيارة واضعا فيها المحفظة والمحمول والجاكيت، لأذهب طامحاً في خلع كل ما يشغلني عن صلاتي _- كما خلع موسي نعليه. وقبل أن أدخل المسجد – ظاناً أنى خلعت جسدي وكل ما يخصني بالدنيا – أتأكد جيداً من أن مفاتيح السيارة وولاعة السجائر في الجيب الخلفي للبنطلون!











الخميس، 29 سبتمبر 2011

مختارات 2



مثل عين تخاطب بدموعها
أبكي!
كامرأة تتشح بالسواد على قبر حبيبها ..
في حداد أنا !
مثل حب كبير، لا ينقسم
أحس بالوحدة !
كظل نور على بادية
أعطش!
مثل شاعر ينظف كلماته
أصرّ!
كامرأة دون أدني أمل،
كنساء كابول
خلف الحوائط،
كصغار مع ذويهم ـ فوق
الجليد الأحمر
أحس بالإحباط والخزي
لأني عاجز عن فعل شيء !!

(زلماي هرمان - شاعر أفغاني)

***

يجيئون في الليل، كخيوط الضباب،
وكثيرا ما يأتون في وضح النهار ..
دون أن يراهم أحد !
يتسللون خلال الشقوق،
ثقوب المفاتيح،
دون ضجيج، لا يتركون أثرا،
أو قفلا مخلوعا، أو فوضى.
إنهم لصوص الزمن !
خفاف ولزجون كثمرة الليتشي الصينية
يشربون زمنك ويبصقونه
بنفس الطريقة التي تقذف بها النفاية.
لا تراهم أبدا وجها لوجه.
وهل من وجوه لهم يا ترى ؟!

( بريمو ليفي - شاعر إيطالي )

***

 يتحدث لوكريس وتيتير عن شجرة الزان
لوكريس عقلاني، تيتير راعي ريفي
.......
الشاعر لوكريس - ... كيف تُلقي في خاطرك نبتةٌ نامية فكرة "الحب": هذه الحاجة إلى اللذة!

الراعي تيتير - اللذة؟ ليس معدن الحب بمثل هذه البساطة!

الشاعر لوكريس - وماذا تريده أن يكون خيرًا من غريزة عامة، ما هو إلا حمةٌ صاغها القدر!

الراعي تيتير - حمة تلدغ؟ ... وتقول إن نفسي، نفس راعي غنم؟

حمة تدلغ؟ إنك لا تجعل منه سوى سهم راعي البقر إن الحب الذي تتصوره ليس إلا حب التيوس ودواب الغابات؛ هذه البهائم تنتابها نوبات إذ تنتشي ببذارها فتلتمس في بشاعه أثناء موسمها الحار أن تخلص أجسادها من هذا السم الحي إنها تعشق بلا حب حسبما تجمعها المصادفات. إني لأعلم ذلك حق العلم أنا الراعي الذي يتدخل في الأمر أحيانًا ويؤلف كما يشاء بين ذكر وأنثى حين يود أن يحصل على جداء منتقى.

(مسرحية محاورة الشجرة - بول فاليري)

***

لا يوجدُ إنسانٌ في العالمِ غيرُ مُهِم


 قدرُ الناسِ كتاريخِ كواكبِ هذي الدُنيا


والكوكبُ يزهو بِتَفرُّدِه وما مِن نَجم

يُشبِهُ قدَرَه 

وإذا حَدثَ وعاشَ المرءُ وحيدا

مغموراً صادَقَ وِحدَتَهُ

يغدو عندَ الناسِ مُهِما باللامُمتِعِ هذا ذاتِه

كلٌّ يحمِلُ طيَّ الذات

عالَمَهُ السريَّ الخاص

وتمرُّ بعالَمِنا لحظة

أروعُ من كلِّ اللحظات

وتمرُّ بعالمِنا ساعَة

أفجعُ من كلِّ الساعات

لكنَّ الناس

تَمضي غافلةً عن هذا الإحساس

حينَ الإنسانُ يَموت

يَخبو مَعَهُ الحسُّ بفرحَةِ أولِ ثلج

وبأولِ قُبلة

وبأولِ نبضَة

يأخذُ مَعَهُ هذي الاحساساتِ ويَمضي

ماذا يَبقى ؟

تَبقى الكتبُ السياراتُ ، جسورٌ تبقى

تبقى أقمشةُ اللوحات

أدري أنَّ كثيراً مِنّا يَبقى

لكنْ أدري أنَّ كثيراً مِنّا يَفنى

ها كُم قانون اللعبة

لعبةِ أقدارٍ لا تَرحَمْ 

 ليسَ الناسُ همو الفانون

لكنَّ عوالمَ تفنى ، تفنى وَتَموت

قد نَستذكِرُ حتى المُذنِبَ والدنيوي

لكنْ ماذا نعرِفُ في الجَوهَرِ عَنهُم ؟
ماذا نعرِفُ عن إخوَتِنا والأصحاب ؟
ماذا عمَّن نَعشقُ نعرِف ؟

معشوقَتِنا وليسَ سِواها ؟
ماذا نعرِفُ عن والِدِنا ؟

 قد نعرفُ كلَّ الأشياء

لكنّا في الجوهرِ لا نعرفُ شيئا

الناسُ تروحُ ولا عودَة

وعوالِمُهم تلكَ الرؤيا السرية

لن تُرجِعهم أبداً للأرضِ الحيَّة

والمرَّةُ تلوَ المرَّة تكبرُ فيَّ لماذا 

وأودُ لو أنّي أصرخُ أصرخُ

من دربِ اللاعودةِ هذا!








الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

خلاص

 
ليس ثمة شئ يعبر عني ها هنا
 لا الكلمات التي أكتبها
لا الأغنية التي كنت أشدو بها منذ قليل
ولا حديثي معك أيها الصديق
بضع وعشرون عامًا أو ربما وسبعون عامًا مضت
ولا أعرف كنه ذاتي
أبعادها
ماذا تريد حقيقةً
...
الكتب
الملابس
الأصدقاء
الجيران
الشارع
الأغنيات
ثمة كتاب وملابس وجيران وأصدقاء وشوارع وأغنيات أدفأ
تتنتمي لروحي، لذاتي البعيدة
ثمة خلاص ما
تدركه نفسي، ذاتي العميقة روحي، شئ بداخلي
ولم ألمسه بيدي
لم أره، أسمعه
أتحقق منه
لا لذة الفراش
 ولا الشراب الذي يفور في الكأس
 ولا السجدات - الطوال - لربما يدخلني اليقين -
 ولا كتابي، لا شئ يمنحنى ما أحس بفقدانه الآن
ثمة عالم أنتمي إليه
سيجيئ يسكنني وأسكنه بعد أفول الروح
ربما!؟
 ربما ألتقيني مشبع بالخلاص
نائمًا لا أفيق
والطمأنينة تسكنني